الأحد، 17 فبراير، 2013

العملية المصرية آلو “بيتا:فوزية :فوزى :حنان:ثورة بهية :الرفيق ألفا :سلطانية مصر الروسية :142

بسم الله الرحمن الرحيم

كتبهاسراب حنين المقاتلة ، في 4 أكتوبر 2009 الساعة: 10:35 ص

بسم الله الرحمن الرحيم
ليس هذا تأريخا، ولا هو سرد للأحداث في تتابعها الزمني، وإنما هو وجهة نظر، تحتمل الصواب والخطأ، من منظور مشارك في الأحداث كان له موقعه وظروفه، في موضوع خلافي لا يمتّ إلى الماضي فقط. كثيرون بالذات في الغرب اتهموا عبد الناصر بأنه انتهج سياسة حيال الشيوعية والاتحاد السوفياتي أفقدته بالتدريج استقلاليته ومصداقيته. وحتىلو سلمنا بأن هناك قوى أحاطت به وناهضت مثل هذا <<الانزلاق>>، فإن ما جرى من عمليات <<تصحيحية>> بعد رحيله لم يكن أمرا من المقرر حدوثه حتما. كان من الممكن أن يفشل أنور السادات في إزاحة ما عُرف ب <<مراكز القوى>>. إلى أين كانت ستتجه مصر لو كانت هذه <<المراكز>> قد انتصرت على السادات في مايو 1971؟ غير أن تجربة عبد الناصر مع اليسار الشيوعي في مصر تدحض هذا الافتراض دحضا كاملا. كان عبد الناصر ضد الشيوعية. وكان الشيوعيون ضده. وكان الوضع ملتبسا عندما استولى عبد الناصر على السلطة في يوليو 1952. كان الشيوعيون منقسمين إلى عدة منظمات. وانعكس الانقسام على حكمهم على عبد الناصر. كان منهم من اتهموا حركة الجيش بالفاشية، وقارنوها بالانقلابات العسكرية التي تكررت كثيرا في أميركا اللاتينية. وكان منهم من ناصروا حركة الجيش منذ أول يوم، من منظور أناس كانوا على صلة مباشرة ببعض الضباط الأحرار. وكان لعبد الناصر شخصيا قبل الثورة، ولو من باب الاستطلاع، صلة بتنظيمات سرية عديدة ذات توجهات أيديولوجية مختلفة، منها تنظيم شيوعي، <<الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني>> (<<حدتو>>)، وكان له فيه اسم حركي هو <<موريس>>. ولكن تصدِّي حركة الجيش في نهاية عام 1952 لإضراب عمالي في كفر الدوار، وتنفيذ حكم الإعدام في عاملين شاركا في الإضراب هما <<الخميسي>> و<<البقري>>، حدثٌ وحّد الشيوعيين في ترجيح كفة التفسيرات السلبية لحركة الضباط. واجتمعت كلمة المنظمات الشيوعية على تشخيصها بالفاشية. فاعتقل الشيوعيون بالجملة، على اختلاف تقييمهم للسلطة الجديدة. كانت حركة الضباط الأحرار في بداياتها موضع عطف الولايات المتحدة. ورمز ظهور السفير الأميركي <<جيفرسون كافري>> بجانب الملك فاروق وهو يصطحبه إلى يخت <<المحروسة>> لضمان عدم المساس به وهو يغادر لآخر مرة الإسكندرية، إلى حقيقة أن واشنطن لم تكن ضد الحركة وقت قيامها. بل تعاطفت معها بادئ الأمر. وربما نظر عبد الناصر إلى الولايات المتحدة الأميركية بصفتها النموذج الجدير بأن يحتذى. ولكن تطلعه هذا لم يتحقق أبدا. وربما كان السبب الرئيسي في الفشل هو مناصرة الإدارة الأميركية بشدة لإسرائيل في مختلف العهود. وبدأ موقف الشيوعيين يتغير من حركة الجيش مع مشاركة عبد الناصر في قمة باندونغ، وبالذات عقب العلاقة التي توثقت بينه وبين شو إين لاي هناك، وتدخل هذا الأخير لدى السوفيات وقتذاك لطلب مدّ مصر بالسلاح بعد أن رفضت أميركا تلبية طلبات القيادة المصرية الجديدة في هذا الصدد. لقد نسب إلى تشرشل تدخله لدى الرئيس الأميركى أيزنهاور لحثه على عدم تسليح الجيش المصرى بدعوى أن هذه الأسلحة سوف يستخدمها <<ناصر>> ضد الجنود البريطانيين المرابطين بالقناة، والذين عملوا تحت إمرة أيزنهاور إبان الحرب العالمية الثانية. فكانت صفقة الأسلحة <<التشيكية>> (حقيقتها أسلحة سوفياتية). ثم تسلسلت خطوات بعد ذلك أخرجت مصر بشكل زاد وضوحا على مألوف سياساتها قبل الثورة، من أبرزها الاعتراف بالصين الشعبية، ورفض حلف بغداد، ثم انتظار خروج آخر جندي بريطاني من منطقة القناة بمقتضى <<اتفاقية الجلاء>> عام 1954 لإصدار قرار بتأميم شركة القناة، ردا على رفض البنك الدولي تمويل مشروع السد العالي، استجابة لطلب أميركا. لقد أخذ موقف الشيوعيين من الثورة يتحوّل بالتدريج من المعارضة إلى التأييد. بل بلغ التأييد حد توحيد الحركة الشيوعية التي ظلت حتى ذاك الوقت منقسمة إلى منظمات متعددة. إذ كان من المستحيل أن تتجه هذه المنظمات إلى المطالبة بإقامة جبهة وطيدة الأركان مع عبد الناصر، الزعيم الوطني <<البرجوازي>> بينما ظلت هي عاجزة عن تحقيق الوحدة في ما بينها! وقد بلغ التأييد لعبد الناصر الذروة يوم إعلانه تأميم القناة. كان مصدق في إيران قد سبق وحاول تأميم شركة البترول الإيرانية، ولكنه فشل في النهاية. ذلك بينما نجح عبد الناصر في تأميم قناة السويس. بل وفي الصمود في وجه العدوان الثلاثي. كان ذلك انتصارا غير مسبوق في وجه الإمبريالية العالمية. وعندما أطلقت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عدوانها الثلاثي ضد مصر، نهض الشيوعيون بدور مشهود لهم في حركة المقاومة الشعبية في بورسعيد. لم تكن حركة الجيش وقت ظهورها على ساحة السياسة المصرية الحركة الوحيدة المتسمة من حيث هويتها بأوجه التباس، بل ربما اتسمت الحركة الشيوعية المصرية هي الأخرى بالسمة ذاتها. من مبررات ادعائي هذا، السؤال المحوري التالي: لماذا ظلت الحركة الشيوعية في مصر في جل مراحل تاريخها منقسمة إلى عدة منظمات (خلافا للحال في معظم الدول)، ولم تتحد منظماتها، في صورة <<حزب شيوعي مصري>> مندمج الكيان، سوى مرة واحدة، ولمدة 9 أشهر فقط، عام 1958، ثم انقسمت من جديد؟ كان التعثر في وحدة التنظيم مؤشرا عن خلل في الهوية ربما يقبل أكثر من تفسير. ولي في هذا الصدد تفسيرى الخاص الذي طرحته في مناسبات شتى خلال العقد الأخير، ولكن لم تحرص الأطراف التي يعنيها الأمر على مناقشتي بشكل جدّي في هذا المضمار. والواقع أن المجتمع المصري كان يعج قبل قيام ثورة يوليو بحركات سرية أو شبه سرية متعددة، ذات سمات متنوعة تماما. وكما كانت هناك حركات داخل الجيش قبل استيلاء الضباط الأحرار على السلطة (منها حركات مناصرة لألمانيا، من منطلق أن <<عدو عدوي صديقي>>)، كانت هناك أيضا حركات داخل الجالية اليهودية في مصر قبل قيام دولة إسرائيل. وجاز لنا القول بأن هذه الجالية، بقدر ما تسيّست، لم تتجه أيديولوجيا فقط إلى الصهيونية، وإنما أيضا إلى الشيوعية. لم يكن بغريب أن أبدى يهود كثيرون، مقيمون في مصر، تعاطفا مع الحركة الصهيونية وقتذاك. ولم تكن الصهيونية، كعقيدة، مجرَّمة بعد. غير أن الجاذب للانتباه أن معظم مؤسسي المنظمات الشيوعية في مصر كانوا شخصيات يهودية، بعضهم عادى بحزم العقيدة الصهيونية. وهذه ظاهرة بحاجة إلى تفسير. لقد اقتصرت الشيوعية في مصر طوال الثلاثينيات من القرن العشرين على أفراد معدودين، ولم يتحقق لها وجود في صورة حركة أطلقها مثقفون (أبرزهم يهود) إلا في بداية الأربعينيات، وبالذات عام 1942، وقت وصول رومل إلى العلمين، وتهديد اليهود في مصر، وربما أيضا في فلسطين، بمصير أقرانهم في أوروبا، لو كان قد قدّر لرومل أن ينتصر في معركة العلمين. كان اليهود بالبداهة مناصرين للحلفاء ضد هتلر. غير أن الحركة الوطنية المصرية كانت ترى، وخاصة بعد حادث 4 فبراير 1942، حيث فرض المندوب السامي البريطاني على الملك فاروق تشكيل حكومة برئاسة النحاس باشا، أن <<عدو عدوي>> وارد أن يكون <<صديقي>>. وخرجت المظاهرات ترحب بقدوم رومل. إن تعرّض الجالية اليهودية لتهديد نال من صميم وجودها برر سعي بعض من تطوعوا لحماية كيانها إلى الترويج لأيديولوجية كفيلة بالنهوض بهذا الدور. وفي 1942، سنة انتصار الاتحاد السوفياتي في معركة <<ستالينغراد>> المصيرية، كان واردا أن تزاحم الأيديولوجية الشيوعية الأيديولوجية الصهيونية في هذا الصدد عند الجاليات اليهودية، على الأقل في تلك اللحظة من التاريخ تحديدا، كتعبير عن الأيديولوجية الأكثر قدرة وقتذاك على حفظ هويتهم وتحقيق حاجتهم إلى ملاذ. غير أن هذا أوجد في مصر (وربما أيضا في غير مصر) وضعا شاذا. ذلك أن بروز حركة شيوعية في مصر يقرر مصائرها يهود، الكثير منهم ليسوا مصريين (بل متمصرون، وحتى أجانب) لم يكن بوسعها، بالبداهة، امتطاء المد الوطني الصاعد بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، واستثماره الاستثمار الأمثل. وعندما أسِّست إسرائيل في 1948، راحت السلطات تضع في سلة واحدة، الشيوعيين المصريين المنتمين إلى منظمات شيوعية شملت قياداتها البارزة يهودا، واليهود المنتمين إلى منظمات صهيونية. إن كوادر المصريين الذين جُنِدوا للحركة الشيوعية في مناخ المد الوطني الذى أعقب الحرب العالمية الثانية، قد وجدوا أنفسهم معامَلين من قبل الدولة معاملة الصهاينة، واعتقلوا مثلهم. وقد حفزهم ذلك للتمرد بقوة ضد أوضاع أفسحت المجال لاتهامهم بموقف غير وطني متواطئ مع الصهيونية، بصرف النظر عن بطلان الاتهام، ذلك أنه لم يكن هناك مجال للتشكيك (على الأقل في ضوء تجربتي الشخصية في هذا الصدد) في صدق نيّات هؤلاء اليهود الذين التحقوا في مصر بمنظمات شيوعية، وناهضوا الصهيونية. لقد فجرت حرب فلسطين عام 1948 الحركة الشيوعية المصرية من الداخل. وأسفرت الأزمة عن طلب العديد من كوادرها المصريين بضرورة <<تمصير>> الحركة، بمعنى إحلال قيادات مصرية خالصة محل القيادات اليهودية. ومؤكد أن هذا المطلب لم يكن منفصلا عن الاتهامات التي وجهت إلى الحركة بشأن تركيبها، وتولِّى يهود مناصب قيادية فيها، بغض النظر عن صدق نيات هذه القيادات. فكانت مصر في حالة حرب مع إسرائيل. وكانت إسرائيل قد عرّفت نفسها بأنها الدولة الملاذ لكل اليهود، أينما وجدوا. فكيف يمكن إفحام خصوم الشيوعية، وإقناع الجماهير باستقامة النضال الوطني (ناهيك عن النضال القومي) للشيوعيين المصريين ضد إسرائيل، بينما تضم قياداتهم عناصر يهودية، حتى مع التسليم بحسن نيات هؤلاء ومعاداتهم فعلا للصهيونية، وتحملهم في كفاحهم تضحيات جسيمة؟ بدت الحركة الشيوعية وكأنما أريد منها أن تحل مشكلة تعلقت بهوية الطائفة اليهودية في مصر، بينما أسِّست إسرائيل للسبب ذاته، وبتعبير أدق، لحل مشكلة اليهود بوجه عام، وهذا تضمن بالتبعية اليهود المصريين، في ظرف كانت فيه إسرائيل في حالة حرب مع مصر، ومع الحركة الوطنية المصرية. بل إن محاربة الجيش المصري لإسرائيل قد نمَّت وعيه القومي، فضلا عن وعيه الوطني. أي الوعي بأن التصدي لإسرائيل، إنما يمثل <<قضية وجود>>، وليس فقط <<قضية حدود>>. فكيف الجمع بين محاربة إسرائيل بصفتها قضية وجود وقضية هوية، ثم التواجد معا في حركة يتبناها يهود في مصر بوصفها تخدمهم هم أيضا في وجودهم وهويتهم؟! وكان ذلك سر انفجار <<حدتو>> بمجرد اندلاع حرب فلسطين الأولى، بغض النظر عن المنعرجات التي اتخذتها الأزمة، وتفصيل ما وقع من صراعات بين الشيوعيين أنفسهم. لم يعترف عبد الناصر أبدا بالحركة الشيوعية المصرية كحركة منظمة تحظى بوجود مستقل، تنظيميا وسياسيا. ولما بلغت الأزمة بينه وبين الشيوعيين المصريين ذروة في أعقاب قيام حركة قومية في العراق تحالفت مع الحزب الشيوعي العراقى في أعقاب ثورة تموز عام 1958، قبض عبد الناصر على الشيوعيين المصريين بالجملة، وعوملوا في السجون والمعتقلات معاملة بالغة القسوة، واتهموا ب <<العمالة>>. وكان المقصود العمالة للسوفيات. ولم يطرح على أي نحو الالتباس الذى شاب الحركة الشيوعية المصرية نتيجة وجود عناصر يهودية في قيادتها. والحقيقة أنه لم تكن توجد دواع قط لاتهام الحركة الشيوعية المصرية بالعمالة. لم تكن الحركة الشيوعية المصرية ممولة أبدا طوال سنوات وجودها من الاتحاد السوفياتي، أو من أي مصدر خارجى غيره. أستطيع أن أشهد بذلك، استنادا إلى ظروف خاصة أحاطتني علما بجوانب التمويل. وأقول: لم يكن ذلك موقفا مبدئيا، ولكن حدث بسبب عجز الحركة الشيوعية المصرية عن تحقيق وحدتها، ورفض الحركة الشيوعية العالمية تأييد فريق على حساب فريق آخر. وكما انقسم المتسيّسون من الطائفة اليهودية في مصر إلى صهاينة وشيوعيين، انقسمت البرجوازية الوطنية المصرية إلى تيارات متباينة ومتضاربة: إلى قوى برزت في المجتمع المدني، وقوى برزت في صفوف القوات المسلحة؛ بل وأضيف: إلى قوى شديدة التباين في المجتمع المدني (تيار وطني ليبرالي مثّله الوفد أساسا؛ تيار ديني إسلامي مثله الإخوان المسلمون أساسا؛ ثم حركة استرشدت بالمذهب الماركسي وأنشأت الحركة الشيوعية المصرية، إلخ). ولا شك في أن التيارات التي عمّت الساحات المدنية كانت لها امتدادات وتأثيرات في صفوف القوات المسلحة. وإذا ركزنا على الحركة الشيوعية بالذات، فكانت هناك حركة صهيونية وحركة شيوعية داخل الطائفة اليهودية في مصر؛ وكانت هناك حركة وطنية وحركة شيوعية على نطاق أوسع داخل إطار المجتمع المصري ككل. وفي هذه الظروف، أعلِن في مايو 1948 تأسيس دولة إسرائيل، واندلعت حرب فلسطين الأولى. كيف أثّر هذا الحدث المفاجئ في أوضاع مصر الداخلية، في ضوء ما سبق سرده؟ لقد اعتُقِل العديد من اليهود الصهاينة. وكان من شأن تأسيس إسرائيل هجرتهم بالجملة إلى خارج مصر، ليستقروا في إسرائيل، أو في أقطار أخرى. أما الذين اعتنقوا منهم الشيوعية، وكان منهم من تبنوا صراحة مواقف معادية للصهيونية، فربما آمنوا بأن ما جرى لم يكن يعنيهم ولا يمس هويتهم وموقعهم الفكري والسلوكي في شيء. ذلك أن الشيوعي أممي، ولا يرى نفسه من حيث المبدأ متأثرا بوضعه الديني، أو القومي، أو العرقي، أو الجنسي، أو العنصري (كان شحاتة هارون الذي توفي قبل شهور نموذجا لهذا اليهودي). وإن كان لا يملك إغفال البيئة المحيطة وتأثيراتها على كيانه إغفالا تاما. غير أن السلطات لم تكن تميز بين اليهود الشيوعيين واليهود الصهاينة. بل اعتقلت شيوعيين من غير اليهود، هم مصريون اجتذبتهم الحركة الشيوعية مع انتعاش الحركة الوطنية في أعقاب الحرب العالمية الثانية (عام 1946 بالذات)، وأيضا بفضل انتصارات الاتحاد السوفياتي الحاسمة في الحرب، وهو الدولة العظمى، الجديدة في الساحة الدولية وقتذاك، المعادية للإمبريالية العالمية (وبالتالي للمحتل البريطاني)، والتي لم يعد من الممكن عزلها عن الحركة السياسية في مصر.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق